القاضي عبد الجبار الهمذاني

147

المغني في أبواب التوحيد والعدل

واعلم . . أن إزاحة علة المكلف تتعلق بالمكلف وتجب عليه ، فإذا كانت العلة إنما تنزاح بخلق العلم الضروري ، على جهة الابتداء ، أو عند طريق بفعله تعالى ، فقد بلغ الغاية في إزاحة العلة ، وإذا صح ذلك فلا وجه للمكالمة في هذا الباب ، لأن أحدنا ليس بمكلف ، ولا له سبيل إلى إزاحة العلة ، وإنما يهدى ويدله ؛ فإذا كان المكلّف قد أزاح علته ، والمكلّف قد عرف ذلك من حاله فلا وجه للمكالمة فيما هذا حاله . . واعلم . . أنه تعالى كما قد يزيح علة المكلف بالعلوم الضرورية فقد يزيحها بنصب الأدلة ، وأحدهما كالمضاد للآخر « 1 » ، لأن الأوّل لا يصح إلا بخلق المعرفة ، دون نصب الأدلة ، والثاني لا يصح إلا بنصب الأدلة ، وأن لا تخلو فيه المعرفة بالمدلول ، فلا يصح اجتماعهما في الأمر الواحد ، لما بيناه من طريقة التنافي ، فإذا كان تعالى مع خلق المعرفة لا يجوز أن ينصب الدلالة لهذا العارف ، فبأن لا يجوز منا أن ننبهه أولى . . يبين ذلك أن الفائدة في مكالمتنا الغير ومناظرتنا له مما يجرى مجرى تكميل إزاحة / العلة ، لأنه تعالى ، وإن نصب الأدلة فقد يذهب المكلف عنها ، وتنصرف دواعيه إلى طلب الراحة ، ويتشاغل عن ذلك ، فنسوقه بالمكالمة إلى خلاف هذه الوجوه فنختصر له الأدلة المنصوبة بأن نعبر عنها فنعرفه ، أو يتذكر به ما يعرفه ، وبأن نخوف وندعو ، فإذا كانت المعرفة الضرورية تغنى عن نصب الأدلة أصلا ، فبأن تغنى أحدنا عن المناظرة والمكالمة أولى . وهذا يبين « 2 » فيما حل هذا المحل أن الواجب فيه التصادق . واعلم . . أنا إن كلمنا الجاحد لما هذا حاله ، لكي نقيم الحجة به عليه فالحجة قائمة بمعرفته ، وإن كلمناه لنعرفه أنه عارف فمعرفته بذلك سابقة ؛ وإن كلمناه

--> ( 1 ) في « ص » الآخر . ( 2 ) في « ط » وهذا ليس .